الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

498

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالمصلين الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ المنافقين . وروى هذا ابن وهب وأشهب عن مالك ، فتكون الفاء في قوله : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ من هذه الجملة لربطها بما قبلها لأن اللّه أراد ارتباط هذا الكلام بعضه ببعض . وجيء في هذه الصفة بصيغة الجمع لأن المراد ب الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ : جنس المكذبين على أظهر الأقوال . فإن كان المراد به معينا على بعض تلك الأقوال المتقدمة كانت صيغة الجمع تذييلا يشمله وغيره فإنه واحد من المتصفين بصفة ترك الصلاة ، وصفة الرياء ، وصفة منع الماعون . وقوله : الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ صفة لِلْمُصَلِّينَ مقيّدة لحكم الموصوف فإن الويل للمصلي الساهي عن صلاته لا للمصلي على الإطلاق . فيكون قوله الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ترشيحا للتهكم الواقع في إطلاق وصف المصلين عليهم . وعدي ساهُونَ بحرف عَنْ لإفادة أنهم تجاوزوا إقامة صلاتهم وتركوها ولا علاقة لهذه الآية بأحكام السهو في الصلاة . وقوله : الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ يجوز أن يكون معناه الذين لا يؤدون الصلاة إلّا رياء فإذا خلوا تركوا الصلاة . ويجوز أن يكون معناه : الذين يصلون دون نية وإخلاص فهم في حالة الصلاة بمنزلة الساهي عما يفعل فيكون إطلاق ساهُونَ تهكما كما قال تعالى : يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا في المنافقين في سورة النساء [ 142 ] . و ( يراءون ) يقصدون أن يرى الناس أنهم على حال حسن وهم بخلافه ليتحدث الناس لهم بمحاسن ما هم بموصوفين بها ، ولذلك كثر أن تعطف السّمعة على الرياء فيقال : رياء وسمعة . وهذا الفعل وارد في الكلام على صيغة المفاعلة ولم يسمع منه فعل مجرد لأنه يلازمه تكرير الإراءة . و الْماعُونَ : يطلق على الإعانة بالمال ، فالمعنى : يمنعون فضلهم أو يمنعون